الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
160
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
الآخرة ، فتشتد مراقبتها لأحوالهم . ثم لتعلموا أن الدنيا هي الدار الأولى القريبة إلينا ، نشأنا فيها وما رأينا سواها ، فهي المشهودة ، وهي الحفيظة علينا ، والرحيمة بنا ، فيها عملنا الأعمال المقربة إلى الله تعالى ، وفيها ظهرت شرائع الله ، وهي الدار الجامعة لجميع الأسماء الإلهية ، فظهرت فيها آلاء الجنان وآلام النار ، ففيها العافية والمرض ، وفيها السرور والحزن ، وفيها السر والعلن ، وما في الآخرة أمر إلا وفيها منه مثل ، وهي الأمينة الطائعة لله ، أودعها الله أمانات لعباده لتؤديها إليهم ، وهذا هو الذي جعلها ترقب أحوال أبنائها ، ما يفعلون بتلك الأمانات التي أدتها إليهم . هل يعاملونها بما تستحق كل أمانة لما وضعت له ؟ فمنها : أمانة توافق غرض نفوس الأبناء ، فترقبهم هل يشكرون الله على ما أولاهم من ذلك على يديها . ومنها : أمانات لا توافق أغراضهم ، فترقب أحوالهم هل يقبلونها بالرضى والتسليم لكونها هدية من الله فيقولون في الأولى : الحمد لله المنعم المفضل ، ويقولون فيما لا يوافق الغرض : الحمد لله على كل حال ، فيكونون من الحامدين في السراء والضراء فتعطيهم الدنيا هذه الأمانات نقية طاهرة من الشوب . . . قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إذا قال أحدكم لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربه « 1 » ، فهذا ابن عاق لها ، كيف لعنها وصرح باسمها ؟ والدنيا من حنوها على أبنائها لم تقدر أن تلعن ولدها فقالت : لعن الله أعصانا لربه ، وما قدرت أن تسميه باسمه ، فهذا حنو الأم وشفقتها على ولدها ، فيا عجباً فينا لم نقف عندما أمرنا الله به من طاعته ، ولا وفقنا ولا وفينا ما رأيناه من أخلاق هذه الأم وحنونها علينا ومحبتها ! وقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : نعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر « 2 » ،
--> ( 1 ) - ورد بصيغة أخرى في المستدرك على الصحيحين ج : 4 ص : 348 ، انظر فهرس الأحاديث . ( 2 ) - مسند الشاشي ج : 1 ص : 387 .